كتابات

في الإبصار

ريان الشيباني

يطرق السؤال رأسي كلما صادفت رجلا يلبس نظارة: كيف لعاقل أن يستمتع بحياته وهذا السلك القاسي يربض على حافة أنفه؟

يفكر المرء أنه ليس وسيما بما يكفي، وأن شيئا ما على وجهه هو ضرورة للفت إنتباه الأصدقاء الذين تفتر تساؤلاتهم العادة. لكنها لعبة خطيرة تقودك إلى متلازمة الخوف من العمى. فبعد فترة من أحاسيس هي بين الشفقة والغرور تصاحبك باعتبارك شخص ذو بصر ضعيف وبالتالي ببصيرة ثاقبة، ستسأل نفسك؛ عن التلف الذي لحق بحدقتيك، أنت الذي تزهو بما لا يستدعي ذلك.

لقد سقطت العدسة اليسرى لنظارتي، ولم أكن بحاجة لمن ينبهني إلى وجود خطأ. كنت لابسا لإطار بعدسة واحدة وأستقل الحافلة اليومية إلى العمل عندما تنبهت للتيار العكسي الباردة يعبر حدقتي اليسرى. ولولا هذا النسيم الناعم لكنت واصلت النظر إلى العالم بنصف عين، ودون أن يكون هناك ما يستدعي الارتياب. وبقدر ما شجعني هذا التفصيل للبحث في روح الخرافة المعلقة على أنوفنا، إستطعت هجر نظارتي لشهر كامل، وقد نسيتها في مقيل صديقي الصحفي نائف حسان.

لا يعني هذا أن الشريط الإخباري أسفل قنوات التلفاز لا يحتاج القليل من الجهد لجعل حروفه المتحركة مفهومة. لكن يجوز السؤال عمن يخبرك أولا بارتجاف الخطوط لو لم تكن قد أخضعت حدقتيك للإختبار.

كتب قاص إيراني أنه لم يكن ليعرف أن الحياة ملونة وهو طفل لو لم ينخرط مع زملائه في سلوك شقي بحق عجوز متسولة:يتذكر كيف سحب نظارة العجوز من على وجهها ذو التقاسيم الحادة، ووضعهها على وجهه. كيف ان الحياة التي كان قد عاشها، مختلفة كلية عن الأخرى وقد بدت من وراء عدسات سميكة ومخدوشة..
في العام 2011 فاز بالأوسكار فيلم بالأبيض والاسود، ويحكي نضالات ممثل صامت عارك طويلا لتبقى السينما صامتة ورمادية..
تشارلي شابلن، الممثل ذو التوجه اليساري، أظهره، فيلم وثائقي بالألون، من إنتاج القرن الواحد والعشرين زير صغيرات، ومليونير جشع، مع إنه لا يمكن طرح ثقتك كاملة بدعاية النظام الرأسمالي.
فبيكاسو الذي كان يرفض تلقي رسائل دالي باعتباره برجوازي بشع، يحاول في فيلم مودلياني المبني على الخيال؛ يحاول أن يبتز رسام إيطالي بإمرأته، وهو نفسه زير النساء اللامسؤال في فيلم إنقاذ بيكاسو، وصورة قاتمة أخرى لم أعد أتذكر فحواها في فيلم منتصف الليل في باريس. لوحة بيكاسو الشهيرة الجرنيكا والتي تشخص الحرب الأهلية الأسبانية رسمت بالرمادي.

لحسن الحظ أن المشاكل المتعلقة بالإبصار لدى عائلتنا كلها متعلقة بطول النظر. فأمي التي كانت تمثل لها هذه المشكلة العائق الأكبر، كان من المستحيل عليها أن تدخل الخيط في إبرة مكينة الخياطة دون لعن اليوم الذي تعلمت فيه هذه المهنة. إنها عملية شاقة لإمرأة تأخذ مسافة من كل شيء لتستبين كنهه.
أنا أيضا لا أحب القراءة والكتابة بالحروف الكبيرة. لقد كان نصيب عائلتنا الكبيرة من تعطل الحواس، صمم في منتصف العمر.

لشخص يعتقد أن العالم سيصير له قريبا صورة دون أي جلبة، طورت من مهاراتي البصرية للإحساس بالعالم..

في أبريل 2015 كانت الحرب في بدايتها مع دخول الطيران في المعركة. قلت لصديقي لطف الصراري أنني بحاجة لأرسم. وبعد تشاور أردت أن يصحبني لشراء اللون القرمزي الذي أحتاج لأن أستخدمه بشكل ملح للتعبير عن الأزمة الدموية فنيا.
كان مقررا أن نتحرك في الحادي عشرة صباح اليوم التالي إلى مكتبة في وسط صنعاء لجلب اللون. لكن النوم أخذنا نصف ساعة إضافية. كان تمام الحادية عشرة والنصف عندما أستفقنا على صوت إنفجار عنيف كاد أن يساقط النوافذ بإطاراتها. ألقى التحالف قنبلة فراغية في المربع الذي توجد في مجاله المكتبة، فسحقت كل شيء في طريقه.

في الرسم دائما ما تجذبني الألوان الحارة، فهل يجب أن تكون عيني دليلي لمعرفة أنني أستخدم الألوان التي أرغب في وجودها في اللوحة. كثيرا ما أرجعت قصوري في هذا الأمر إلى عدم التخصص، مع أن إحساسي لا يمكن أن يخضع خبرتي للتشكيك. فما أراه مناسبا، يراه الآخرون نشازا. فكان علي أن ألجأ للمساعدة.

عادة ما لحظت وأنا بصحبة زوجتي صابرين أثناء التسوق إبدائها لمعرفة فطرية في الألوان.. وهي فطرة تكاد أن تكون ميزة بيولوجية. لكن ألوان صابرين لها أسماء مختلفة عما حاولت إكتسابه:

فيروزي، خمري، زيتوني، خياري، ياقوتي.. لهذا وألوان أخرى أخضعت ذائقتي لعينيها: طلبت منها أن تحدد لي خليط ألوان لرسم لوحة معينة، ولهذا أجدني منشهدا لمقترحاتها.
هذا كل شيء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة لـ منشور برس2018©. انشاء وترقية MUNEER