ميديا

سر الساعة الأثرية الصخرية التي تحدد فصول العام بدقة

بي بي سي

اكتشفت مؤخرا نقوش صخرية في أحد المواقع الأثرية بولاية أريزونا، تتضمن تقويما شمسيا لقياس الزمن وتحديد تعاقب الفصول بدقة متناهية.

بدا الباحث كينيث زول هادئا رغم أن الشمس كانت متوارية خلف الغيوم طيلة النهار. ووقف زول أمام فنون صخرية نُحتت منذ نحو ألف عام مضى، وأشار إلى نقوش لثعابين وذئاب القيوط الأمريكية وغزلان، ومجموعة من الدوائر متحدة المركز. ثم وجه انتباه الحضور، وكان عددهم 100 شخص، إلى صخرتين داخل صدع فوق رأسه. وقال في إشارة إلى المشهد بأكمله “كانت هذه طريقة لقياس الزمن”.

ولم تكد تمضى دقائق معدودة حتى انقشعت الغيوم، كأنها كانت مأمورة. وفي تمام الساعة الثانية إلا ثلث، مرّ شعاع من الضوء فوق الصخور وألقى ظلين على الصخرة التي نُقشت عليها الرسومات، ولامست أطرافهما ثلاث دوائر لمدة ست دقائق، لتعلن عن قدوم الربيع في وادي فيرد بولاية أريزونا.

وفي هذا اليوم، 20 مارس/آذار، تحدث نفس الظاهرة في الكثير من المواقع الأثرية حول العالم، من مدينة تشيتشن إيتزا التي بناها شعب المايا في المكسيك، إلى معبد إيمنايدرا الحجري في جزيرة مالطا، إذ تسطع الشمس في يوم الاعتدال الربيعي (الذي تكون فيه الشمس عامودية على خط الاستواء ويتساوى فيه طول الليل والنهار) على الآثار القديمة، إيذانا بحلول موسم جديد.

وعندما أطلت الشمس على غابة كوكونينو الوطنية بالقرب من مدينة سيدونا بولاية أريزونا، طفق الجمهور يصفق ويهلل. تقول سوزي ريد، مصورة فوتوغرافية من سكان المنطقة، إن منظر الظلال على الصخور في هذا اليوم الذي تمر فيه الشمس فوق خط الاستواء جدير بالمشاهدة. وأضافت: “نحن نجدد طاقتنا بالحضور إلى هنا”.
غير أن هذه النقوش الصخرية كانت تقيس الزمن على مدار قرون دون أن ينتبه لها أحد حتى العقد الماضي. ففي عام 2005، اكتشف زول، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 57 عاما، وكان متطوعا بموقع “في بار في” الأثري بغابة كوكونينو، أن الظلال تظهر على الصخرة الضخمة التي يكسوها ما يربو على ألف رسم ونقش صخري، في أوقات محددة من العام.

وتساءل زول إن كان هذا نوعا من التقاويم القديمة. ثم أخبر عالم آثار بهيئة الغابات التابعة لوزارة الزراعة بالولايات المتحدة بملاحظاته، لكنه لم يبد حماسة لهذا الاكتشاف. إذ طالما خاض الخبراء بعلم الفلك الأثري – وهو أحد فروع علم الفلك الثقافي المعني بدراسة الطرق التي كان الناس يراقبون بها قديما تغير المواسم ويسبرون أغوار الكون – معاركا ومناقشات محتدمة لإثبات صحة نظرياتهم.

فمن الصعب أن تثبت أن تعامد الشمس أو القمر أو النجوم على الآثار ليس محض مصادفة. ناهيك عن أن بعض المؤيدين لنظريات علم الفلك الأثري احتجوا في الماضي بحجج غير منطقية، منها مثلا اقتراحهم أن المواقع الأثرية التي تعود لحقب ما قبل التاريخ ربما صممتها مخلوقات فضائية.

لكن في العقود الأخيرة، أثبت باحثون أن المجتمعات التي كان يشاع عنها أنها بدائية، كانت تراقب الظواهر الفلكية وترصدها بنشاط وفعالية، واعترفت منظمة اليونيسكو مؤخرا بالتراث الفلكي لبعض المواقع الأثرية، مثل متنزه “شاكو” الأثري الوطني الثقافي بولاية نيو ميكسيكو، وموقع “ستونهنج” الأثري بإنجلترا.

وبالرغم من أن الفن الصخري بموقع “في بار في” لا يضاهي المعالم الأثرية الأخرى الشهيرة التي ترصد تغير الفصول، في العظمة والشموخ، فإن زول رأى أنها تحمل أيضا في طياتها أسرارا. ثم طلب منه عالم الآثار بهيئة الغابات أن يراقب الموقع لمدة عام ثم يعود إليه مرة أخرى.

ولم ييأس زول، الذي كان يعمل مدير أنظمة كمبيوتر سابقا، وأخذ يراقب الموقع ويسجل ما يراه بحرص. ويقول زول: “انتقلت من قمة التطور في القرن العشرين إلى قمة التطور في القرن الحادي عشر”. وتوصل زول إلى نتائج مذهلة.

وكلما كان يرى زول انعكاس آشعة الشمس على النقوش الصخرية في كل شهر، كان يشعر أن الحجر يتحدث إليه. وفي أطول نهار في العام، يوم 21 من يونيو/حزيران من العام الحالي، عندما وصلت الشمس إلى أقصى ارتفاع لها فيما يسمى بالانقلاب الصيفي، تداخلت الظلال وتفاعلت مع ست صور على الصخرة. وبعد ستة أشهر، في أقصر نهار في العام، أرسلت الشمس أشعتها عبر شق بين صخرتين.

يقول زول إن الزراعة ربما تكون ألهمت شعب السيناغوا لوضع هذا التقويم القائم على الرسوم الصخرية. إذ يعتقد الباحثون أن شعب السيناغوا كان يعيش ويرعى الماشية في هذه المنطقة في الفترة ما بين القرن السابع والقرن الخامس عشر، وكانوا يزرعون الذرة والقطن واليقطين والحبوب. ويعيش أحفادهم من قبيلة الهوبي الآن على بعد نحو 150 ميل من الموقع.

وعندما تحدث زول إلى أحد أفراد قبيلة الهوبي، أخبره أن هذه النقوش الصخرية تميز الاحتفالات الدينية وبعض الأيام المهمة للمزارعين. ففي يوم 21 أبريل/نيسان، الذي يتزامن مع موعد زراعة البذور، تلامس حافة الظل نقشا صخريا يشبه ساق الذرة.

والأعجب أنه في يوم 8 يوليو/تموز، الذي يتزامن مع نهاية فترة مقدسة يمارس فيها شعب الهوبي على مدار 16 يوما الصلوات والتأمل، تلتقي أشعة الشمس مع صورة لشخص يبدو أنه يرقص.

يقول سكوت نيوث، المسؤول بمجتمع علماء الآثار بولاية أريزونا، ويدرس الفن الصخري في المنطقة: “إن هذه النقوش تبدو كأنها آلة زمنية وضعتها الآلهة لتنبيه الناس إلى مواعيد الاحتفالات”.

يقول فلويد لوماكويفايا، في منتصف الستينيات، من قبيلة الهوبي، إن بعض النقوش الصخرية هي رموز يستخدمها أبناء القبيلة. ويضيف: “أشعر بالفخر لأن أسلافنا تركوا لنا هذه العلامات، ففي كل شهر لدينا احتفالات ومناسبات مختلفة، وهذا هو التقويم الذي نسترشد به.”

وفي يوم الاعتدال الصيفي من هذا العام، تجمعت قبيلة الهوبيز حول موقع الفن الصخري، وكانوا يشرحون لمجموعة من الشباب تراثهم ويساعدونهم في فهم الرسومات التي ترمز إلي بعض الطقوس، مثل طريقة شوي نوع من أنواع الصبار يعرف باسم صبار “الأغاف” في حفرة. إذ تعتمد القبيلة على رؤوس هذه النباتات كبيرة الحجم كمصدر رئيسي للغذاء طوال العام.

ويقول زول إنه وثق 12 موقعا في منطقة وادي فيرد بوسط أريزونا من المرجح أنها كانت أنظمة للتقويم، وعُثر على ما يزيد على 30 موقعا مشابها في المنطقة حول مدينة فينيكس.
وتتضمن أغلب هذه المواقع نقوشا صخرية من بينها الدوائر متحدة المصدر التي تلتقي مع الظلال في أيام محددة من السنة. ويضيف زول: “كنا نتساءل في كل مرة لماذا نرى نفس الصور على هذه الصخور”.

ويضيف زول أن ثمة نظرية تقول إن بعض الغرباء طافوا في المنطقة وعلموا أبناء القبيلة كيف يضعون تقويما، ويعزى ذلك إلى اكتشاف جثمان رجل دُفن في مقبرة شمالي أريزونا كان يبدو أنه زائر للمنطقة لأنه أضخم حجما عن سكانها. وعُثر معه على قلادة نُقشت عليها دوائر متحدة المركز.

واكتشف الباحثون أيضا مواقع مراقبة عديدة في المنطقة التي ربما كان يستخدمها بعض أبناء القبيلة المكلفون بمراقبة شروق الشمس وغروبها يوميا. ويعد هذا التكليف مدعاة للفخر لدى مجتمعات الهوبي حتى اليوم، وكان يشهده أبناء قبيلة “المياه”. إذ ينقسم شعب الهوبي إلى عدة قبائل، تسمى كل قبيلة على اسم الكائنات التي تحمل رمزها.

ولهذا نُقش رمز السلحفاة المائية فوق صخرة “في بار في” التي كانت تُستخدم في المراقبة. ومع حلول المساء، امتد الظل إلى الصخرة، ثم تلاشى شيئا فشيئا.

ويبدو أن كل شيء محسوب بدقة، ولهذا لم يستغرب زول حين انقشعت السحب عندما حان موعد العرض. فقد صادف موقفا مشابها في بداية أبحاثة، إذ كانت السماء يوم الانقلاب الشمسي ملبدة بالغيوم، ثم سطعت الشمس فجأة في الوقت المناسب واستطاع أن يسجل الظل، ولم تلبث أن عادت السُحب بعد دقائق معدودة.

تقول تيريلين غرين، إحدى حراس الغابة، وكانت تشرف على فعاليات مراقبة ظاهرة الاعتدال الربيعي، إنها سعيدة بذيوع شهرة الفن الصخري، لكنها تقول إن ثمة طرقا أخرى يمكن أن يعتد بها في قياس الزمن.

إذ يعود طائر الصقر الأسود في كل عام من هجرته الشتوية إلى وادي فيرد في ولاية أريزونا في أواخر مارس/آذار. وتقول غرين: “إنها طيور رائعة كأنها تبشر بقدوم الربيع”.

وفي ذاك اليوم، تزامنا مع الاعتدال الربيعي، سمعت غرين لأول مرة صياح هذه الطيور الجارحة إيذانا بحلول الربيع.

اظهر المزيد
جميع الحقوق محفوظة لـ منشور برس2018©. انشاء وترقية MUNEER