محلية

“المقاومة” التي أزاحت نفسها إلى خلفية المشهد

خالد عبدالهادي

من وسط قطعة اليأس والظلام الهائلة التي أطبقت على ملايين المحبطين في 2015, انبثق شعاع من الأمل فأضاء ليل الوطنية اليمنية البهيم وجرى على الألسن باسم “المقاومة الشعبية”.
نهضت المقاومة الشعبية بمبادرة تاريخية مبهرة من المجتمع لأداء مهمة باهظة في توقيت عصيب, ثم أخذت تدخل على نحو تدرجي في الإطار الرسمي المؤلف من حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي والتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
وشكل تكامل المقاومة مع الجيش الحكومي وعملية التحالف العسكرية قراراً صائباً وخياراً طبيعياً لإنفاذ مهام استعادة السيادة السياسية وإعادة توظيفها في إنقاذ البلاد من جحيم الثورة المضادة والدفاع عن المجتمع من بطشها ووقف كارثة الانهيار الشامل عند الحد الممكن, لكن التكامل المأمول انقلب إلى احتواء من الطرف الأقوى وتبعية من الطرف الأضعف.
في الإمكان تماماً تفهم الدوافع الاضطرارية لتوحد المقاومة مع الجهد الرسمي انطلاقاً من حاجة المقاومين للسلاح والدعم اللوجيستي في ظل اختلال ميزان التسلح والدعم لمصلحة قطبي الثورة المضادة صالح والحوثيين بفوارق لا تقبل المقارنة, لكن يصعب تفهم استسلامها لعملية الاحتواء والتفريط باستقلال قرارها.
بفعل إغراء الدعم أملاً في تحقيق نتائج سريعة على الأرض وربما بفعل ترهيب خفي من الإقليم, انتقلت المقاومة من خانة اللاعب الفاعل في المشهد إلى موقع التابع دون إبداء مقاومة كان من المفروض تفعليها بتدابير مختلفة والدفع بأفضل أوراقها إلى ميداني الحرب والسياسة.
وانجرت المقاومة إلى هذا القرار, لافتقارها إلى استراتيجية عسكرية وسياسية ولاعتقاد قادتها أن في وسعهم حسم الحرب بضربة واحدة مع رهانهم على أن دعم التحالف سيكفل توجيه هذه الضربة.
نشأت غشاوة الرؤية هذه جراء عدم تحديد المقاومة، ابتداءً، لنوع الحرب التي ستخوضها في مواجهة القوات المعتدية وعدم إفادتها من مبادئ الحروب الثورية أو استلهام تجارب الحركات الثورية في مواجهة أنظمة الطغيان الداخلية والاحتلال الأجنبي.
وكان من المحبط ضعف حركة التسييس داخل المقاومة مما حصر تصور قادتها وغالبية أفرادها لمفهوم المقاومة في العمل المسلح إلى حد أنهم بعدما طردوا قوات الحوثيين وصالح من مناطق عدة, اختطفتها منهم الفوضى وعبث العصابات المسلحة, أما هم فلزموا ترددهم وأبقوا طموحهم عند مستوى شديد التواضع, لم يفكروا معه بتشغيل خدمة عامة معطلة أو مرفق عام مغلق.
فبدلاً عن إدارة المناطق المحررة وإقامة اقتصاد محلي فيها بما في ذلك تدبر مصادر إيرادية سبق لحركات مقاومة عبر العالم تدبرها في ظروف أشد تعقيداً من الظروف اليمنية, تشكلت صورة ساخرة وآسية في آن لمسلحين لا يكلون عن إغلاق الشوارع ونشر الفوضى الأمنية واقتراف انتهاكات ضد المدنيين, كلما أرادوا الضغط على السلطات الحكومية- الغائبة أصلاً- لتحقيق مطالبهم.
يتوجه جزء كبير من اللوم في ذلك إلى القوى السياسية التي أدارت ظهرها للمقاومة وأبت مساعدتها في وضع استراتيجية وأدبيات سياسية وتمييزها عن باقي المجموعات المقاتلة في الميدان وعن السلطة والتحالف.
وانقسمت القوى السياسية في تعاملها مع المقاومة إلى قسمين: قوى تعاملت معها بتعالٍ, مصنفة إياها في خانة الميليشيات دونما تمييز. وفي الوقت الذي ظنت هذه القوى العازلة نفسها في أبراج الاستعلاء موقفها انتصاراً للمدنية والسياسة السلمية, تكفلت الأيام بإيضاح غباء التقدير الذي أفرز ذلك الموقف.
أما القسم الثاني من القوى السياسية فوجد في المقاومة باباً جديداً لمصالح مختلفة فاستثمر فيها إلى أقصى حد. وما دامت المصالح الفئوية هي النافذة التي نظرت منها هذه القوى إلى المقاومة فقد شكلت الرغبة الرسمية في احتوائها فرصة, بالطبع, للمساومة على أفضل المصالح الممكنة.
وهكذا جرى بتعاضد هذين العاملين ترك المقاومة وحيدةً أمام رغبة الاحتواء الرسمية وحرمانها من خبرات التخطيط العسكري والسياسي.
كذلك خدشت صورة المقاومة ممارسات منحرفة اخترقت مشروعها محمولة على أفراد حملوا السلاح للدفاع عن مكانتهم الاجتماعية أو لحماية مصالح معزولة عن الهم العام, ومع تدفق السلاح والمال عليهم غدوا قادة لفصائل قوية غالباً ما ارتكبت تلك الممارسات التي شكلت أحد أسباب تحول المزاج الشعبي من الإسناد اللامحدود للمقاومين بكل ما في أيدي المواطنين إلى الاستياء وصولاً لحالة اللامبالاة والعزوف عن المشاركة.
وأخيراً, اندمج المقاومون في الجيش الحكومي في حين توقف التحاق الأفراد بالمقاومة الشعبية المستقلة مما أفرغ كيانها المادي عملياً قبل أن تكمل تحقيق مهامها المفترضة.
ونتيجة لكل ذلك, بدأت المقاومة في دفع الثمن فكانت أول وأقسى ضربة تلقتها جراء رضوخها التام لعملية الاحتواء السلطوية سواء الداخلية أو الخارجية أنها غدت غير قادرة على طرد الأجسام الغريبة التي أسكنتها سلطة التحالف في بنيتها.
وللفداحة فتلك الأجسام مشبوهة وموصومة بالإرهاب. وفي أحسن الأحوال هي أجسام متطرفة أو محافظة تقاتل لتمكين غايات معادية لتقدم المجتمع وحريته, وكذا هي لا تعبأ بالقانون العام والتنافس السياسي السلمي بل تنهج سبيل العنف لفرض مشروعها وصبغ المجتمع بصبغة الحق الذي تعتقد أنها مندوبته في الأرض.
لم يصنع التحالف العربي تلك الجماعات, إنما وجدها تقاتل في الميدان وراء أغراضها فاتصل بها ولمس جاهزيتها فهيأ لها المسرح ثم اتخذها وكيلاً له لتحقيق أهدافه التكتيكية خلال الحرب وفي حال أوفت بمعايير الوكلاء الذين تريدهم الأنظمة المحاربة في اليمن فسوف تنال المباركة ومواصلة الدعم.
بعد اندفاع المجموعات المقاتلة ذات الأهداف المريبة إلى كيان المقاومة وإقامتها في واجهة الصورة, ورد الإملاء التالي من التحالف وفُرض هذه المرة على “المقاومة الجنوبية” التي وجب عليها منذ مطلع 2018 احتضان أشتات الجحافل العسكرية الموالية للرئيس السابق علي صالح والسهر على معسكرها التجميعي في عدن التي سبق لهذه الجحافل أن دمرتها خلال صيف 2015 وشردت سكانها أو قتلتهم.
ولئن كان لمأزق المقاومة أسبابه الذاتية المطروقة آنفاً فله أيضاً سبب موضوعي كبير؛ إذ مما لا يحتاج إلى إثبات أنها وجه آخر لثورة فبراير الشعبية 2011 وامتداد لها. ومثلما كانت ثورة فبراير فتحاً مذهلاً وعبقرياً في تاريخ النضال الشعبي السلمي, كانت المقاومة أداة الجموع الشعبية لدفع أضخم اعتداء شنه الماضي الحقود لمعاقبة المستقبل لأنه تحرر من أساره.
لذا لم يكن من حسن حظ المقاومة أن حملتها الضرورة على العمل مع زعيمتي التحالف العربي: السعودية والإمارات.
فليست مفاجئة الدفعات المتعاقبة من الترتيبات لإعادة الوضع إلى ما قبل 2011 في البلدان التي شبت فيها ثورات شعبية وإدانة تلك الثورات, بل هي تتمة للتحركات التي انطلقت مع اندلاع هذه الثورات في المنطقة العربية.
تقود السعودية والإمارات الحلف الإقليمي المضاد لثورات 2011 وبينما تعملان في بلدان الثورات بتكتيك مواجهة “الثورة” في ميادينها ووأد أي تغييرات تترتب عليها قبل أن تمتد إلى الممالك الخليجية أو تلهم شعوبها ونخبها, فإنهما في اليمن تعملان لمواجهة تهديدين كليهما مصيري في حساباتهما.
الأول هو الثورة الشعبية.. وانتصارها في اليمن أدعى لتحريض شعوب الخليج على التحرك خلف حقوقها السياسية والاجتماعية المحظورة نتيجة للتأثير الجيوسياسي المتبادل بين اليمن والممالك الخليجية, خصوصاً السعودية, وكذا العلاقات التاريخية الممتدة بين شعوب هذه البلدان.
والثاني هو التهديد الإيراني المحمول على الحركة الحوثية التي تنشط من معقلها المشرف على الجنوب السعودي. وقد دفع هذان التهديدان السعودية والإمارات إلى ثلاث خطوات: انطلقت الأولي عقب اندلاع الثورات الشعبية العربية في 2011 ورمت إلى هدم نموذج الثورة الشعبية وتشويهه في وعي شعوب الخليج برسم صورة قاتمة عما آلت إليه الأوضاع في البلدان الثائرة وتحذير مواطنيها من محاكاة ما حدث, وما زال الإعلام الرسمي في البلدان المعادية للثورة يعمل على ترسيخ هذه الصورة في أذهان مواطنيه إلى اليوم.
وركزت الخطوة الثانية من الأنظمة المعادية للثورة العربية على إجهاض عملية الانتقال الديمقراطي في بلدان الثورة وعرقلة أي إنجازات اقتصادية أو اجتماعية تحققه حكومات الثورة العربية وذلك لتقديم دليل ملموس لمواطنيها يدعم اتهامها للثورات بجلب الدمار ونسف الاستقرار.
في الوقت الذي تمكنت إجراءات الحلف المضاد للثورة الشعبية من وقف مهام الثورة بمساعدة مجانية من الحكومات “الثورية”, بدأ يتضح على نحو تدرجي أن سياسة التدخل المضادة في اليمن كانت سلاحاً ذا حدين: حارب أحدهما من صعدة حتى العاصمة صنعاء التي أسقطها ووضع نظامها وحكومتها تحت سلطته المتعطشة لمزيد من الدم, وراح الثاني يناور على حدود السعودية ويوقع الاتفاقات مع طهران؛ العدو الإقليمي اللدود.
لذلك, كان لا بد من خطوة ثالثة إضافية في اليمن لتصحيح ورطة الحلف المضاد للثورة بزعامة السعودية التي لم يعد التهديد الإيراني محتاجاً إلى خرائط تجسسية لتحليلها في طهران بل غدا يرقب جنوبها من على قمم المرتفعات الشاهقة في صعدة, فانطلق التدخل العسكري في مارس 2015 لتدمير الحركة الحوثية أملاً في شل الذراع الإيرانية.
وفرضت هذه التداعيات المتناقضة على السعودية والإمارات التحرك بحذر مصحوب بالتوجس والريبة؛ فهما يريدان للتدخل العسكري تحقيق هدفه دون تقديم مساعدة لمخاوفهما الكامنة في الثورة الشعبية, ولذا انتدبت الإمارات الجماعات السلفية في محافظات الجنوب فيما تتنامى المؤشرات على توجه السعودية لانتداب المؤتمر الشعبي ورجالات صالح في محافظات الشمال إذا ضمنت أنهم قد نزعوا أيديهم من أيدي الحوثيين واستأنفوا سيرتهم المهذبة السابقة مع المملكة.
يسهل بعد هذا العرض الوجيز لموقف التحالف العربي في اليمن قبل عمليته العسكرية حتى الآن, الخلاص إلى أن التحالف والمقاومة الشعبية بحكم طبيعتهما يمثلان نقيضين جمعتهما الضرورة للعمل على أرضية واحدة فلزم أحدهما محاذيره ومخاوفه ومنح الآخر ثقته بلا أي تحفظات أو مراجعات.
والسؤال الآن حول إن كان مستقبل المقاومة واستعادة مشروعها ما يزال سؤالاً يثور في عقول قادتها وباقي المهتمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة لـ منشور برس2018©. انشاء وترقية MUNEER