غير مصنف

أبو الروتي _ لعبدالكريم الرازحي

ابو الروتي -15-

قال ” الكرّاني” وانا اواصل طرق الباب ..وقد اغضبه تجاهلي له:

  • الواحد لما يكون ساكن ببيت ابوه ،او ببيت امه .مش مهم لوراح يتخنّث وروّح آخر الليل يدق الابواب، ويزعج النايمين .لكن لمّا يكون ساكن ببيت ناس محترمين مفروض يحترم نفسه.
    وطلب مني ان اكف عن طرق باب البيت وادخل انام بالفرن .
    وحين دخلت سألني :
    -أيش من سينما دخلت ؟
    قلت : ماسينمتش ولادخلت سينما .
    قال: طيب قل لي اين كنت لاهذا الوقت ؟
    قلت : سرحت لابيت جدي وبعدما خرجت من بيت جدي ضيّعتو التريق وضعت.
    لكن الكراني لم يصدقني.. وكان يتكلم بيقين بأني رحت السينما. وكنت بيني ونفسي اتساءل : – كيف عرف اننا سينمت؟ ايش عرّفه؟
    ومثل المحقق حين يطلب من المتهم ان يعترف بجريمته ،ويظل يضغط عليه، وعلى اعصابه. راح الكراني يضغطُ علي، وعلى اعصابي ،ويطلب مني بأن اقول الصدق واعترف .
    وكنتُ كلما نفيتُ ذهابي الى السينما وانكرت.. يشعر كمالواني استصغرُ سلطته، واقلّل من شأنه، واستخفّ به، وبوزنه. وكان ذلك يغضبهُ ،ويغيضهُ،ويجعله يزداد تعنُّتاً، وإصراراً على انتزاع اعتراف يرضيه، ويشعره بالنصر .لكنه حين وجدني اواصل الإنكار راح يغيّر من اسلوبه، ويقول لي بلغة خالية من التهديد وبطريقة فيها الكثير من اللين :
  • انت بس اعترف لي وانا اشفع لك عند الحاج ..الحاج زعلان منك سأل علوك وقالوا له كلهم انك دخلت السينما .

كان الكراني متزوج من بنت الحاج.. وكان هو المحاسب.. وهو من يقف فوق “المَغَل” ..وهو الكل في الكل. وكانت له سلطه.. ولديه القدرة على الحاق الأذى بي سواء اعترفتُ له بدخولي السينما او لم اعترف .
ومن حين وصولي عدن وانا اتوجّسُ خوفا منه ..وقد شعرتُ من طريقة استقباله لي بأنه غيرمرتاح من وجودي في بيت الحاج.
كان قد افصح عن ذلك في اليوم التالي لوصولي عندما سألني :

  • لِمَومانزلتش ببيت جدك علي اسماعيل ؟
    ولم يكن يدري بان المصادفة وحدها هي التي قادتني الى بيت الحاج ووضعتني تحت سلطته.

ليلتها وقد عجز عن انتزاع اعتراف مني يهدئ من غضبه قال لي :

  • ارقد ذلحين وحسابك بكرة الصبح . ايامها كانت عدن في عزّ الصيف ..والحر اشد مايكون .. وكان علي وقد اقترفت جريمة الذهاب الى السينما. ان اُعاقب بالنوم في الجحيم، وفوق اكياس الدقيق.. بدلا من النوم في سطح الفرن حيث التيار البارد، وحيث البرود.
    و لوان ذلك العقاب حدث قبل دخولي السينما لكنتُ فطستُ من شدة الحر ..لكني في تلك الليلة كنتُ استرجعُ ماحدث في جنة السينما.. واذا بحر الجحيم يتحول الى مايشبه النسيم . كانت السينما قد شطرت حياتي الى شطرين.. ورفعتني عن الارض شبرين.. وجعلتني احلّق من دون جناحين . وليلتها.. رحت احلّق بعيداً عن الجحيم.. واعود الى السينما جنة النعيم.
    ومع اني نمتُ بعد منتصف الليل الاانني استيقظتُ في الفجر وانا في غاية النشاط . وكنت فرحاً، ومبتهجاً، وسعيداً على غير العادة . وبعد ان استيقظتُ ذهبتُ مباشرة الى المسجد في سوق الحراج لصلاة الفجر ..وبعد الصلاة عدتُ الى الفرن لاستلم العانتين مصروفي لكن الكراني قال لي :
  • مافيش مصروف للمسينمين .
    ثم تناهى الى سمعي صوت الحاج وهو قادم من المسجد وكان يصيحُ بكل صوته قائلا :
  • اللي يشتي يسينم يخرج من بيتي .
    وكان ان تجمّع العمال حولي بعد سماع صوت الحاج وجميعهم راحوا يدينونني .
    وقد شهدوا بأني سينمت وكأنهم كانوا معي، او كأنهم اولياء امري . وعنادا للكراني الذي كان قدحرّض ضدي كل من في البيت، وكل عمال الفرن رحتُ انكرُ واواصل الإنكار.

قال الحاج بعد ان انكرت :
-قل لنا اين كنت لانص من الليل ؟
قلت : رحت لابيت جدي علي اسماعيل ..وبعدماروّحت ضيّعت التّريق .. وكنت امشي امشي ولانا داري.. ومشيت لوما وصلت البحر .
وبدا الحاج مستغربا من كلامي وقال يسألني بكل صوته :

  • مُو ودّوْك البحر ؟
    قلت : مودرّانا بالتريق.. انا كنت اسال اصحاب عدن واقول لهم اين فرم عمي الحاج عبد الله عبده!! وهم حمير يقولوا مودرّانحنا!! بعدا حصّلت اثنين جنب البحر قالوا انهم يعرفوك، ويعرفوا الفرم. وكان معاهم سيارة وبعد ماقلت لهم اننا ضعت وصّلونا لاجنب الفرم وقالوا لي ابلغك السلام .
    وشعرتُ لحظتها بأن الحاج اقتنع بحكاية ضياعي واعجبه ان هناك من يبلغه السلام وعندئذ امر الكراني بأن يعطيني مصروفي .
    لكن الكراني الذي كان مغتاضاً مني ازداد غيضاً وقال لي وهو يعطيني مصروفي :
  • من اليوم يامُسَيْنِم عليك توزع الروتي حق المطاعم
    ومن حينها كان عندما يبصرني يقول لي :
  • اهلا بالمُسَيْنم
    وحين ينادي علي :
  • تعال يامسينم
    وفي غيابي عندما يسال عني :
    -اين هو المسينم ؟صيِّحوا للمسينم يجي يوزع الروتي .
    كان يعتقد انه بذلك يهينني ،ويؤذي مشاعري، ويلصقُ بي تهمة طالما انكرتها فيما الحقيقة هي انني كنتُ اطربُ ،وابتهجُ، وابتسمُ ابتسامة تغيضه. ذلك ان السينما كانت قد تركت اثرها في نفسي.. و منحتني شيئا ثمينا وجوهريا جعلني اشعر بأني مختلف ومتميز. ومع انني لم اكن اعرف بشكل واعٍ كنه هذ الشيئ الثمين الا اني كنت اعرف على وجه اليقين بأنه يستحيل للكرّاني، ولغيره ،ولكل صاحب سلطة ( بعد دخولي السينما )ان يخضعني لسلطته .

كان ابناء قريتي في عدن من كل الاجيال والاعمار.. قد تعاملوا مع السينما على انها خط احمر ..وعيبٌ اكبر .
وفي الايام التي تلت مغامرة دخولي السينما.
كنتُ كلما التقيتُ واحدا من اولئك الذين سبقوني في الذهاب الى عدن، وسبقوني في دخول مدارسها ،وسبقوني في الدراسه .اسأله عن السينما ،وهل دخلها؟ وكنتُ كلما سالتُ احدهم يلتفتُ اليّ بغضب لكأني وجّهتُ له تهمةً.. اوكأنه لايجوز لي انا الطفل القادم للتو من القرية ان اسأل اسئلة تخدش الحياء.
كنتُ اشعر امامهم بالزهو، وبالتفوق، وتعتريني رغبة بالاعتراف ،وافشاء سري. وكنت اعترف لهم بدخولي السينما ،واحكي لهم قصة الفيلم، واطلب منهم ان يكتموا سري.
وكان بعضهم ينفعل ،ويتفاعل معي، ويفرح لي. والبعض يشعر بالحسرة وثمة من يشعر بالحسد ..وبدافع الحسد يفشي سري،ويذيعه لغرض التشهير بي. وكان من بين هؤلاء من يقابل اعترافي بالغضب والاستنكار. ويشعر بأن من واجبه طالما انه من قريتي ان ينهي عن الفحش والمنكر .وكان ان انتشر خبر دخولي السينما انتشار النار في الهشيم.. وعرف به اهل قريتنا في عدن والمعلا والتواهي والشيخ عثمان ودار سعد .ووصل الخبر الى اخوتي واخوالي والى جدي علي اسماعيل واجمعوا على إرجاعي الى القرية .وهناك من راح يمهِّد لعودتي بأن كتب الى جدتي يخبرها باني دخلت السينمابرسوم المدرسة التي اعطاهالي جدي .
وكنت مستغربا اسأل نفسي :من الذي كتب الى جدتي وابلغها باني دخلت السينما !!
وقد رحت اشك في خالي عبد الوهاب وكان شخصا متجهِّماً ومتزمّتاّ ..ثم رحت اشك في خالي محمد لانه كان من هواة نقل الاخبار ..والاثنان كانا موجودين عندما اعطاني جدي المبلغ الذي دخلت به السينما .لكن الخبرافزع جدتي، واقلقهاولانها تعرف بأني كنت اكره الدراسة فقد اعتقدت باني دخلت السينما بدلا من المدرسة.

وقيل لي بانها عندما علمت بأني اقيم في بيت الحاج عبد الله زعلت من جدي ولشدة زعلها القت باللوم عليه وراحت تصرخ قائلة :

  • جده سيّبه، واخواله سيّبوه ،واخوته سيّبوه والابن جاهل مُودرّوْهْ!! بدل مايجلِّسوه عندهم، ويوبُهوا له، ويدخِّلوه المدرسة .جلس في بيت الناس ودخلوه السينما !!
    وكانت جدتي قدارسلت لي رسالة طويلة مُحَرّقة في اشارةٍ منها آلى اني احرقتُ قلبها
    ومما تبقى من رسالتها في ذاكرتي قولها :
    (-قلتولك ياعبد الكريم انزل ببيت جدك وانت مارضيت تسمع كلامي
    ونزلت ببيت الحاج عبد الله.
    وقلتولك ياعبد الكريم تدخل المدرسة وانت مارضيت تسمع كلامي ودخلت السينما .
    ذلحين اخرج من بيت الحاج وارجع بيت جدك .
    واخرج من السينما وارجع المدرسة. )
    وبعد اسبوع من وصول رسالة جدتي كتبت اليها رسالة جوابية وقلت لها بأني سجلت في المعهد العلمي الإسلامي صف رابع ابتدائي
    لكن جدتي لم يعجبها كلمة معهد ولاكلمة اسلامي وكتبت لي رسالة تقولُ لي فيها :
    ( اخرج من المعهد الاسلامي وادخل مدرسة النصارى )
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة لـ منشور برس2018©. انشاء وترقية MUNEER